مشروبات الطاقة عندما يتحول النشاط إلى خطر

أصبحت مشروبات الطاقة في السنوات الأخيرة منتشرة بشكل كبير، وأصبح الإقبال عليها واضحًا خصوصًا بين الشباب والطلاب والرياضيين.

وتعطي هذه المشروبات شعورًا سريعًا بالنشاط واليقظة، وتساعد على تقليل الإحساس بالتعب والنعاس لفترة مؤقتة، وهذا ما يجعل البعض يعتمد عليها قبل التمرين أو أثناء الدراسة أو عند السهر.

لكن التسائل هنا : هل هذا النشاط الذي نشعر به يعني أن الجسم حصل فعلًا على طاقة؟
وهل مشروبات الطاقة آمنة كما يعتقد البعض؟

في هذا المقال سنتعرف على حقيقتها، وفوائدها، وأضرار الإفراط فيها، ولماذا يجب التعامل معها بحذر.

 

ما هي مشروبات الطاقة؟

 

مشروبات الطاقة هي مشروبات تحتوي عادةً على الكافيين، وقد تحتوي أيضًا على السكر والتورين والغوارانا والجينسنغ وبعض فيتامينات مجموعة «ب» [1].

ويجب أن نفرق بينها وبين المشروبات الرياضية؛ فمشروبات الطاقة تعتمد بشكل أساسي على المنبهات مثل الكافيين، بينما المشروبات الرياضية صُممت لتعويض السوائل وبعض الأملاح التي يفقدها الجسم أثناء النشاط البدني.

لذلك لا تعتبر مشروبات الطاقة بديلًا عن الماء، ولا ينبغي الاعتماد عليها لترطيب الجسم أثناء ممارسة الرياضة.

 

power drinks

 

كيف بدأت مشروبات الطاقة؟

قد يعتقد البعض أن مشروبات الطاقة منتج حديث، لكن جذورها تعود إلى عدة عقود.

ففي عام 1962 ظهر في اليابان مشروب Lipovitan-D، الذي طرحته شركة تايشو فارماسوتيكال، وكان يستهدف الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة ويحتاجون إلى الشعور باليقظة ومقاومة التعب [1].

ثم انتقلت الفكرة إلى تايلاند، حيث ظهر عام 1976 مشروب Krating Daeng، وكان يستهدف بشكل خاص العمال والسائقين الذين يحتاجون إلى اليقظة أثناء ساعات العمل الطويلة.

وفي عام 1987 ظهرت العلامة التجارية العالمية Red Bull في النمسا، بعد تطوير الفكرة وتغيير الطعم والعبوة وطريقة التسويق لتناسب المستهلك الغربي [1].

ومن هنا بدأت مشروبات الطاقة بالانتقال من مجرد مشروب يستخدم لمقاومة التعب إلى صناعة عالمية مرتبطة بالنشاط والمغامرة والرياضة والإنجاز.

 

لماذا انتشرت مشروبات الطاقة بهذا الشكل؟

لم يكن انتشارها بسبب مكوناتها فقط، وإنما لعب التسويق دورًا كبيرًا في ذلك.

فأصبحت مشروبات الطاقة مرتبطة في أذهان الناس بالقوة والنشاط والسرعة والمغامرة، وأصبحت الشركات تربط منتجاتها بالرياضات المختلفة وسباقات السيارات والفعاليات  وغيرها [2].

كما ساعد انتشارها في المتاجر ومحطات الوقود والأندية على سهولة الحصول عليها في أي وقت.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتسويق الرقمي، أصبح الشباب أكثر تعرضًا للإعلانات والمحتوى المرتبط بهذه المنتجات، وقد أظهرت إحدى الدراسات أن التعرض للتسويق الرقمي لمشروبات الطاقة يمكن أن يزيد اهتمام الشباب بها ورغبتهم في شرائها واستهلاكها [3].

 

لماذا نشعر بالنشاط بعد شربها؟

 

السبب الرئيسي هو الكافيين.

الكافيين منبه للجهاز العصبي المركزي، ويمكن أن يقلل الشعور بالتعب والنعاس، ويساعد بعض الأشخاص على زيادة اليقظة والانتباه وسرعة الاستجابة لفترة مؤقتة [4].

وقد يستفيد بعض البالغين أيضًا من تحسن محدود في بعض جوانب الأداء البدني.

لكن يجب أن نفهم نقطة مهمة جدًا:

مشروبات الطاقة لا تعالج سبب التعب، وإنما قد تقلل شعورنا به لفترة مؤقتة.

 

 

رجل نسيط يجري

فإذا كان سبب التعب هو قلة النوم أو سوء التغذية أو الجفاف، فإن مشروب الطاقة لن يحل المشكلة من جذورها.

قد تشعر بالنشاط بعد تناوله، لكن جسمك ما زال بحاجة إلى النوم والغذاء والماء.

أضرار الإفراط في مشروبات الطاقة

1. تأثيرها على القلب

من الأعراض التي قد تظهر عند الإفراط في تناول الكافيين ومشروبات الطاقة:

  • زيادة نبضات القلب.
  • خفقان القلب.
  • ارتفاع ضغط الدم.
  • الرجفة.
  • الصداع.
  • اضطرابات المعدة [4].

وتزداد أهمية الحذر عند الأشخاص الذين لديهم أمراض قلبية أو حساسية عالية تجاه الكافيين.

2. تأثيرها على النوم والجهاز العصبي

قد يؤدي تناول كميات كبيرة من الكافيين إلى:

  • القلق والعصبية.
  • التوتر.
  • صعوبة النوم.
  • الأرق.
  • زيادة الاعتماد على الكافيين.

وهنا قد يدخل الشخص في دائرة متكررة:

قلة النوم → الشعور بالتعب → تناول مشروب الطاقة → صعوبة النوم → زيادة التعب → تناول المزيد من الكافيين.

وبذلك يصبح الشخص معتمدًا على المنبهات حتى يستطيع مواصلة يومه.

3. كمية السكر

 

تحتوي العديد من مشروبات الطاقة على كميات مرتفعة من السكر.

والإفراط في السكر يعني زيادة السعرات الحرارية، وقد يساهم مع مرور الوقت في زيادة الوزن، كما يزيد من خطر تسوس الأسنان.

ولا يعني احتواء المشروب على بعض الفيتامينات أو المكونات الأخرى أنه أصبح مشروبًا صحيًا.

وجود بعض العناصر المفيدة لا يلغي أضرار الإفراط في السكر والكافيين.

 

4. استخدامها أثناء ممارسة الرياضة

من الأخطاء الشائعة أن يعتقد البعض أن مشروب الطاقة مناسب أثناء التمرين لأنه يمنحه النشاط.

لكن مشروبات الطاقة ليست مصممة أساسًا لتعويض السوائل التي يفقدها الجسم أثناء الرياضة، ولذلك يبقى الماء هو الخيار الأساسي للترطيب في معظم الحالات.

كما أن تناول كميات كبيرة من الكافيين قبل أو أثناء النشاط البدني قد يسبب أعراضًا غير مرغوبة لدى بعض الأشخاص.

 

 

من هم الأكثر حاجة إلى تجنبها؟

هناك فئات يجب أن تكون أكثر حذرًا من مشروبات الطاقة، ومن أبرزها:

  1. الأطفال والمراهقون: توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بعدم تناول مشروبات الطاقة لهذه الفئة بسبب الكافيين والمنبهات [2].
  2. الحوامل والمرضعات.
  3. الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب أو ارتفاع ضغط الدم.
  4. الأشخاص الذين لديهم حساسية عالية تجاه الكافيين.

وفي حال وجود حالة صحية أو تناول أدوية معينة، فمن الأفضل استشارة الطبيب لمعرفة الكمية المناسبة من الكافيين.

 

 

كم يحتاج الجسم من الكافيين؟

 

تشير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) إلى أن تناول ما يصل إلى 400 ملغم من الكافيين يوميًا لا يرتبط عادةً بآثار سلبية لدى معظم البالغين الأصحاء [5].

لكن هذا الرقم ليس مناسبًا للجميع، فدرجة تحمل الكافيين تختلف من شخص إلى آخر.

والأهم من ذلك أن هذه الكمية تشمل جميع مصادر الكافيين خلال اليوم، وليس مشروبات الطاقة فقط.

فإذا كنت تشرب القهوة والشاي وتتناول مشروبات الطاقة، فيجب أن تحسب مجموع الكافيين الذي تحصل عليه من جميع هذه المصادر.

 

 

 ومما يزيد الطين بله أن البعض يرتكب أكثر من خطأ في نفس الوقت 

مثل:

  • تناول أكثر من عبوة خلال فترة قصيرة.
  • تناولها في المساء أو قبل النوم.
  • الاعتماد عليها لتعويض قلة النوم.
  • استخدامها بدلًا من الماء أثناء ممارسة الرياضة.
  • تناولها بكثرة قبل التمرين.
  • إعطاؤها للأطفال والمراهقين.
 
 

ما البدائل الأفضل؟

إذا كنت تشعر بالتعب بشكل مستمر، فبدلًا من البحث عن حل سريع، حاول أن تعالج السبب الحقيقي.

النوم الكافي: يساعد الجسم والعقل على استعادة نشاطهما.

شرب الماء: المحافظة على الترطيب تساعد الجسم على أداء وظائفه بشكل أفضل.

الغذاء المتوازن: الجسم يحتاج إلى الغذاء للحصول على الطاقة والعناصر الغذائية التي يحتاجها.

ممارسة الرياضة: النشاط البدني المنتظم يساعد على تحسين اللياقة والصحة العامة.

القهوة باعتدال: يمكن أن تكون مصدرًا للكافيين، لكن يجب الانتباه إلى كمية الكافيين والسكر الذي يتم تناوله خلال اليوم وكذلك نوع القهوة أيضاَ.

 

الخلاصة

 

مشروبات الطاقة ليست مصدرًا سحريًا نقياً للطاقة كما قد توحي بعض الإعلانات.

بل هي تحتوي على مواد منبهة، وعلى رأسها الكافيين، وقد تمنحنا شعورًا مؤقتًا باليقظة والنشاط، لكنها لا تعوض النوم ولا الغذاء ولا الماء.

والخطورة تزيد عندما تتحول من استخدام محدود إلى عادة يومية، أو عندما يتم تناول كميات كبيرة منها، أو استخدامها من قبل فئات أكثر حساسية للكافيين.

 

لذلك علينا أن نكون أكثر وعيًا بما نشربه، وأن نعرف أن النشاط الحقيقي لا يأتي من علبة مشروب، وإنما من نوم جيد، وغذاء متوازن، وترطيب كافٍ، ونمط حياة صحي.

وفي النهاية، لا تجعل شعورك المؤقت بالنشاط يخدعك وتنسى احتياج جسمك الحقيقي.

اهتم بصحتك اليوم، حتى لا تدفع ثمن إهمالها غدًا.

 

 

المراجع

[1] Costantino et al. (2023), The Dark Side of Energy Drinks: A Comprehensive Review of Their Impact on the Human Body, Nutrients.

[2] Centers for Disease Control and Prevention (CDC), The Buzz on Energy Drinks.

[3] Buchanan, Kelly & Yeatman (2017), Exposure to digital marketing enhances young adults’ interest in energy drinks, PLOS ONE.

[4] Heckman, Sherry & de Mejia (2010), Energy Drinks: An Assessment of Their Market Size, Consumer Demographics, Ingredient Profile, Functionality, and Regulations in the United States.

[5] U.S. Food and Drug Administration (FDA), Spilling the Beans: How Much Caffeine is Too Much?

 

WhatsApp
Facebook
X
Telegram

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *