قلب الرياضي.. لماذا ينبض أقل ويضخ أكثر؟
يُعد نبض القلب، أو عدد ضربات القلب في الدقيقة، من أبسط المؤشرات التي يمكن من خلالها معرفة مدى استجابة الجسم للمجهود. لكن عندما نقيس النبض في حالة الراحة، فلا يمكن أن نعتبر الرقم وحده حكماً على مستوى اللياقة أو وجود مشكلة صحية؛ لأن النبض يتأثر بعدة عوامل مثل العمر، والحالة الصحية، والأدوية، والتوتر، ومستوى النشاط البدني.
بالنسبة لمعظم البالغين، يكون نبض القلب في الراحة بين 60 و100 ضربة في الدقيقة. ومن الأفضل قياس نبض الراحة في الصباح، بعد نوم جيد، وقبل النهوض من السرير أو شرب القهوة، حتى نحصل على قراءة أقرب إلى معدل الراحة الحقيقي للشخص.
نبضات القلب بين الشخص العادي والرياضي
| الحالة | نبض الراحة الشائع | التفسير العام |
| بالغ عادي وهادئ | 60–100 ضربة/دقيقة | النطاق الطبيعي المعتاد لمعظم البالغين |
| رياضي أو شخص شديد النشاط | قد يصل إلى نحو 40 ضربة/دقيقة | قد يكون نتيجة لكفاءة القلب العالية، خصوصاً إذا لم توجد أعراض مقلقة |
وهنا يأتي السؤال: لماذا يكون نبض الرياضي أقل من الشخص العادي؟
السبب أن التدريب المنتظم، وخصوصاً التدريب الهوائي، يؤدي إلى مجموعة من التكيفات في القلب والجهاز الدوري. يصبح القلب أكثر كفاءة في ضخ الدم، ويمكنه أن يضخ كمية أكبر من الدم مع كل ضربة، وبالتالي لا يحتاج إلى عدد كبير من الضربات أثناء الراحة حتى يوفر للجسم احتياجه من الدم.
بمعنى آخر، انخفاض نبض الرياضي لا يعني بالضرورة أن قلبه يعمل بشكل أقل، بل قد يعني أن القلب يعمل بكفاءة أكبر.
النتاج القلبي؟
لفهم الموضوع بشكل أفضل، نحتاج إلى معرفة مفهوم يسمى النتاج القلبي، وهو كمية الدم التي يضخها القلب خلال دقيقة واحدة.
المعادلة بسيطة:
النتاج القلبي = معدل ضربات القلب × حجم الضربة القلبية
وحجم الضربة القلبية هو كمية الدم التي يضخها القلب في كل نبضة.
فمثلاً، لو افترضنا أن شخصاً يضخ:
70 نبضة × 70 مل في كل نبضة = 4900 مل/دقيقة
أي حوالي 4.9 لتر من الدم في الدقيقة.
بينما يمكن أن يكون لدى رياضي، كمثال توضيحي:
50 نبضة × 100 مل في كل نبضة = 5000 مل/دقيقة
أي حوالي 5 لترات في الدقيقة.
في المثالين، كمية الدم التي تصل إلى الجسم خلال الدقيقة متقاربة، لكن الرياضي استطاع تحقيق ذلك بعدد أقل من ضربات القلب لأنه يضخ كمية أكبر في كل ضربة.
وهذه الأرقام مجرد أمثلة لتوضيح الفكرة وليست أرقاماً ثابتة لكل رياضي أو شخص عادي.

ماذا يحدث عندما نبدأ بالتمرين؟
عندما تبدأ العضلات بالعمل، سواء أثناء المشي السريع أو الجري أو لعب كرة القدم أو ممارسة الكيوكوشن، فإنها تحتاج إلى طاقة أكبر حتى تستمر في العمل.
ويحتاج الجسم في هذه الحالة إلى إيصال كمية أكبر من الدم والأكسجين إلى العضلات، وكذلك التخلص من ثاني أكسيد الكربون والحرارة الناتجة عن النشاط.
لذلك يستجيب الجسم بزيادة النتاج القلبي.
وهذا يحدث بشكل رئيسي من خلال عاملين:
1. زيادة حجم الضربة القلبية:
أي زيادة كمية الدم التي يضخها القلب في كل نبضة.
2. زيادة معدل ضربات القلب:
أي أن القلب يبدأ بالنبض بشكل أسرع.
لذلك لا يرتفع النبض أثناء التمرين لمجرد أن الشخص يتحرك فقط ، وإنما لأن الجسم أصبح يحتاج إلى كمية أكبر من الدم والأكسجين، والقلب يرفع أداءه حتى يلبي هذا الاحتياج لأنه هو المسؤول عن ضخ الدم.
مثلاً، لو كان الرياضي في حالة الراحة:
50 نبضة × 100 مل = 5 لترات/دقيقة
ثم بدأ تمريناً شديداً وأصبح نبضه:
160 نبضة × 120 مل = 19.2 لتر/دقيقة
لو نلاحض هنا ارتفع حجم الضربة من 100 مل إلى 120 مل. وكذلك أيضا ارتفع عدد نبضات القلب في الدقيقة الواحدة ويحدث ذلك لأن القلب يمتلئ بدم أكثر ويضخ بقوة أكبر أثناء المجهود، خصوصاً عند الأشخاص الرياضيين. لذلك ترتفع كمية الدم الكلية التي يضخها القلب في الدقيقة بشكل كبير.فهذا يعني أن القلب أصبح يضخ كمية أكبر بكثير من الدم خلال الدقيقة الواحدة لتلبية احتياجات العضلات أثناء المجهود.
هل ارتفاع نبض الرياضي أثناء التمرين طبيعي؟
نعم.
حتى الرياضي الذي يمتلك نبض راحة منخفضاً سيرتفع نبضه أثناء التمرين؛ لأن عضلاته تحتاج إلى كمية أكبر من الأكسجين والطاقة ، والفرق أن قلب الرياضي المدرّب يكون أكثر كفاءة .
ولهذا من الخطأ أن نقول إن الرياضي يجب أن يبقى نبضه منخفضاً أثناء التمرين حتى يكون أداؤه جيداً.
على العكس، ارتفاع النبض أثناء الجهد هو استجابة طبيعية للجسم، لكن مقدار الارتفاع يختلف من شخص إلى آخر حسب العمر واللياقة وشدة التمرين وعوامل أخرى.
كيف نعرف شدة التمرين من خلال النبض؟
هناك طريقة شائعة لتقدير شدة التمرين من خلال حساب الحد الأقصى التقديري لنبض القلب.
تستخدم جمعية القلب الأمريكية معادلة مبسطة:
الحد الأقصى التقديري للنبض = 220 − العمر
لكن يجب الانتباه إلى أن هذا الرقم تقديري وليس رقماً دقيقاً لكل شخص؛ فقد يختلف الحد الأقصى الحقيقي بين الأشخاص.
بعد معرفة الحد الأقصى التقديري، يمكن تقسيم شدة التمرين تقريباً إلى:
- شدة متوسطة: 50–70% من الحد الأقصى.
- شدة عالية: 70–85% من الحد الأقصى.
مثال لشخص عمره 30 سنة:
الحد الأقصى التقديري:
220 − 30 = 190 ضربة/دقيقة
الشدة المتوسطة:
50–70% من 190 = 95–133 ضربة/دقيقة
الشدة العالية:
70–85% من 190 = 133–162 ضربة/دقيقة
لكن هذه الأرقام تعتبر دليلاً عاماً وليست قاعدة يجب على كل شخص الالتزام بها بشكل حرفي.
كيف أعرف شدة التمرين بدون جهاز؟
ليس ضرورياً دائماً أن تراقب النبض بجهاز حتى تعرف شدة التمرين.
يمكنك أيضاً ملاحظة طريقة تنفسك وشعورك أثناء التمرين.
في الشدة المتوسطة، يصبح التنفس أسرع وتبدأ بالتعرق، لكن تستطيع التحدث مع شخص آخر.
أما في الشدة العالية، فيصبح التنفس أعمق وأسرع، ويصبح من الصعب التحدث إلا بعد التوقف لالتقاط النفس.
وهذا مهم لأن الشعور بالمجهود يختلف من شخص إلى آخر؛ فما يعتبر تمريناً صعباً لشخص مبتدئ قد يكون سهلاً بالنسبة لرياضي متقدم.
هل انخفاض النبض دائماً شيء جيد؟
ليس بالضرورة.
انخفاض النبض إلى أقل من 60 ضربة في الدقيقة لا يعني تلقائياً وجود مشكلة، خصوصاً عند الرياضيين والأشخاص الذين يمارسون النشاط البدني بانتظام.
وفي المقابل، ارتفاع النبض فوق 100 ضربة في الدقيقة لا يعني وحده وجود مرض.
فقد يتغير النبض بسبب التوتر والقلق والحمى، كما يمكن أن تؤثر بعض الحالات الصحية والأدوية في معدل ضربات القلب. لذلك يجب النظر إلى الرقم مع حالة الشخص وأعراضه ومستوى نشاطه والأدوية التي يستخدمها، وليس إلى الرقم وحده.
لذلك نؤكد ان هذه العوامل يمكن أن ترفع النبض مؤقتاً ، كما أن بعض الأدوية يمكن أن تؤثر في معدل النبض والحد الأقصى المتوقع له.
ولهذا لا ينبغي مقارنة نبض شخص بآخر بشكل مباشر، حتى لو كانا في العمر نفسه ، دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الأخرى التي تكلمنا فيها.
الخلاصة
نبض الرياضي في الراحة يكون غالباً أقل من الشخص غير الرياضي، والسبب ليس أن قلبه يعمل أقل، وإنما لأن قلبه أصبح أكثر كفاءة ويمكنه ضخ كمية أكبر من الدم في كل ضربة.
أما أثناء التمرين، فيرتفع نبض الرياضي أيضاً؛ لأن الجسم يحتاج إلى زيادة تدفق الدم والأكسجين إلى العضلات.
والفكرة الأساسية يمكن تلخيصها بهذه الصورة:
🫀 في الراحة: قلب أكثر كفاءة → حجم ضربة أكبر → نبض أقل غالباً.
🏃 أثناء التمرين: احتياج العضلات يرتفع → النتاج القلبي يرتفع → النبض يرتفع لتلبية هذا الاحتياج.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الهدف هو الوصول إلى أعلى رقم ممكن في نبض القلب، وإنما اختيار شدة تمرين مناسبة والتدرج فيها. وإذا صاحب ارتفاع النبض أثناء المجهود ألم في الصدر، أو ضيق نفس غير معتاد، أو دوار شديد، أو إغماء، فهنا يجب التوقف وطلب تقييم طبي بدلاً من اعتبار الأمر مجرد ارتفاع طبيعي في النبض.






One Response
موضوع مهم وقيم
بارك الله فيكم ونفع يكم 👏🏻